الشــوقALSHOOOQ
ثقافية /إجتماعية /ساخرة (لكل قلم حر وجريء)

خلصنا من عزرين أجانا قبّاض الأرواح

ذهب توني بلير غير مأسوفٍ عليه من البريطانيين أنفسهم بالرغم من تحسن الإقتصاد والتعليم والصحة في عهده ، وقد أسِف عليه بعض العرب وخاصة حكام العراق الجدد ومن يدعمهم. وسيجيءُ بعده خليفته جولدن براون الذي سيستمر على خطه الإستراتيجي بالتأكيد ، ولكن مع اختلاف في التكتيك والأسلوب والألفاظ ، وذلك لتحسين صورة حزب العمال التي تشوهت من الجرائم التي حصلت من جراء الحرب على العراق وغطت على كل ايجابيات بلير لبريطانيا. وكل ذلك من أجل التمهيد للإنتخابات القادمة وخوضها بدون بلير الذي تسبب في تدهور شعبية الحزب ، حيث سيدخل الحزب وقد أزال بعضاً من الإنعكاسات التي خلفتها الحرب على العراق واحتلاله وتحويله الى بؤرة إرهاب لن تسلم منها بريطانيا سواءً من أرواح أبنائها داخل بريطانيا وخارجها. ولينسى البريطانيون ذلك الرئيس التابع لجورج بوش الذي لفظه الشعب الأمريكي نفسه وتدنت شعبيته في الحضيض ويجمع كل العالم على رعونته وغبائه وجهله بالسياسة والبروتوكولات الدبلوماسية وعلى ضعفه لصالح نائبه كظاهرة نادرة عهدناها في الإدارة الأمريكية وغير مسبوقة من كل الرؤساء الأمريكيين السابقين. وستبقى بريطانيا هي بريطانيا عوجاء كذيل الكلب. فذهب عزرين (بلير) وجاء قباض الأرواح (براون) باختلاف في الحروف والكلمات والعناوين مع الإحتفاظ بالمضمون والمعنى والأهداف.

وما يخيف هو ظهور قبّاض أرواحٍ جديد في آوروبا ، سيطل علينا من قصر الأليزيه في فرنسا. لقد كانت فرنسا متخفية بثوب النفاق تارة والخجل والتظاهر بعدم التبعية للولايات المتحدة الأمريكية تارة أخرى ، وبدون قوة رادعة وفاعلة وبدون آلية لمقاومة القطب الواحد ، وكانت تكف شرها عنا بستار الخجل وبعض من قطرات الماء بالوجه وبكلمات التعاطف الخالية من التطبيق. وكنا نعتبرها صديقة ومؤيدة لنا خاصة في القضية الفلسطينية ومعارضة لشن الحرب على العراق. إنه القادم الجديد لقصر الأليزيه ساركوزي. لا نريد أن نستبق الأحداث ونحكم بردة الفعل السريعة ونحبذ الإنتظار ، ولكن ما لا نستطيع أن نخفيه بأن كل عيون العرب والمسلمين رفّت من هذا الرجل. وأحدث فوزه طنيناً في آذاننا. وذلك فيما أعلنه في خطابه يوم أن فاز ، وأعرب عن تأييده للسياسة الأمريكية ورغبته الجامحة في مد يد العون لها وهي تغرق في المستنقع العراقي والأفغاني ونيته في الإهتمام بدول حوض المتوسط واعتقد أن في نيته اسرائيل بالمقام الأول. وحتى الفرنسيون أنفسهم رفّت أعينهم منه وعبروا عن ذلك بأحداث الشغب يوم فوزه في ظاهرة هي الآولى من نوعها في فرنسا. وذلك خوفاً من توجهه الكامل والإنخراط في السياسة الأمريكية بدون كوابح كما كان صديقه بلير الذي اجتمع به كأول سياسي وأبدى إعجابه بسياسته وإنجازاته وكأنه يسلمه الأمانة والمسؤولية لتنوب فرنسا عن بريطانيا ،وخوفاً من تشديده الخناق وفرض سياسة التمييزعلى مسلمي فرنسا. صحيحٌ بأن الدم لا يمكن أن يتحول لماء (عُمْر الدّم ما بصير ميّه) ، تلك قاعدة عربية يطبقها الآخرون في العالم ويشذ عنها أصحاب القاعدة ، فامريكا الحاكمة والغالبة دماؤها آوروبية خالصة . ولا نستطيع أن نحاسبهم على قاعدة نحن واضعوها أو نستغرب ذلك فأمريكا هبت لنجدتهم في الحروب العالمية ومنعت عنهم الهزيمة المحققة خاصة فرنسا وانجلترا. ولكن ما يقلق في ساركوزي أن نصف دمه يهودي والنصف الآخر ربما كان يهودياً ولكن الثابت أنه غير فرنسي. ويخشى أن يحدث تراجعاً في الموقف الفرنسي تجاه قضية فلسطين الذي أخذ يتحول تدريجياً بعد حرب 1967 بفضل ديجول ، ويبدي تعاطفاً ظاهرياً مع الفلسطينيين ولا ندري إن كان يؤيده باطنياً أم لا ، ولا ندري هل هو بدافع التظاهر بعدم التبعية إنطلاقاً من الشعور بتميز الشخصية الفرنسية من منطلق استحضار تاريخها الإمبراطوري يوم أن قسمت مع بريطانيا العالم العربي في اتفاقية سايكس بيكو ، ولا بد أن يكون لها رأي مخالف مستقل في منطقة كانت لها فيها ناقة وهي ترنو الى إعادة تلك الناقة التي استولت عليها امريكا ، أم هو صحوة ضمير دون القدرة على تأييده بالفعل ، أم هو متناغم مع المصالح الوطنية الفرنسية. ولا نستطيع الإجابة على ذلك ، لأننا لم نعد قوةً فاعلة في صناعة الأحداث ، لذلك لا نشارك في صياغتها وتبقى سراً لا يبوح به الأقوياء (الكبار) للضعفاء (الصغار) عندما يرسمون سياساتهم تجاه العالم الذي نحن جزءٌ منه. يبدو أنهم يتبادلون الأدوار على مسرح المؤامرات الغربية على المنطقة العربية ، فذهب بلير وجاء ساركوزي ، وذهب أثنار وبرلسكوني وجاءت ميركل ، والموقف ثابت ومتمترس بإبقاء الحصار على الشعب الفلسطيني يدور في فلك الموقف الأمريكي الإسرائيلي. ولكن ما حصل من تطورٍ في الموقف الفرنسي منذ 1967 هو توقف فرنسا عن تزويد اسرائيل بالأسلحة والتنسيق العسكري معها وهذا يحسب إنجازاً في الموقف الفرنسي الذي اشترك في العدوان الثلاثي على مصر ، وساعد اسرائيل في برنامجها النووي ، وزودها بالأسلحة والطائرات في حرب 1967. ويستحق المحافظة عليه وتطويره لمراحل متقدمة.

من هنا وإن تخلصنا من مشاكلنا وخلافاتنا الداخلية التي تستنزف جهداً كبيراً من سياستنا ودبلوماسيتنا، يجب على الدبلوماسية العربية والفلسطينية بالأخص أن تسارع للوقوف على ثبات الموقف الفرنسي تجاه قضية فلسطين وقضية العراق ومحاولة الدفع به الى الفاعلية خاصة وأن الولايات المتحدة في موقف ضعف يتهافت مسؤوليها على المنطقة العربية لمساعدتها في إنقاذ جيشها وساستها من الهزيمة والسقوط ، وأن تتحرك بسرعة في هذا الإتجاه إن كان يعنيها ذلك. لتتمكن من إعادة الحسابات في معادلات الصراع ، وكفانا نوماً والعالم يرسم ويخطط لمنطقتنا. وكفانا فقداناً للمواقف وتطورها لصالح أمريكا واسرائيل كما حدث من تراخٍ في الموقف الروسي والموقف الصيني من القضية الفلسطينية. وكفانا تقديم مبادرات دون صدىً مسموع واقتراباً من اسرائيل دون تحقيق نتائج لصالحنا. وكفانا صراعات داخلية مخزية وتبعث على الإشمئزاز واليأس. لفرنسا مصالح حيوية في المنطقة ، ولنا مصالح حيوية وانسانية في حل قضيتنا الآولى في فلسطين وقضيتنا الثانية في العراق. فلنقايض مصالحهم بمصالحنا ولو مرة واحدة ولنتوقف عن تقديم المنح والهباة المجانية على قاعدة الكرم العربي لمن لا يستحقه ، ولدغنا من جحر واحد مرات ومرات. لماذا تطلق وزيرة الخارجية الإسرائيلية تصريحات على أرض عربية توحي بالتطبيع قبل السلام تماماً كما تريد وتذهب بعيداً في استفزازنا على أرضنا ضمن أجندتها الخاصة بها ولم تشر الى قبول المبادرة العربية أو حتى تتطرق إليها كأساس وقاعدة للحل ، وساستنا ينصتون ولا ندري ما جرى بينهم وبينها ولا نعلم ما تحقق من هذا الإجتماع لصالحنا ، بينما تعلن ليفني بجهارة وبجاحة الأنجاز التاريخي الذي تحقق لبلدها في اختراقها للجامعة العربية. ولماذا غاب الفلسطينيون عن تلك المحادثات والذين هم فيها الطرف الأساس؟ اسرائيل خرجت من الإجتماع بلهجة المنتصر ، وساستنا عبروا عنه بتصريحات باهتة توحي بعدم تحقيق أي تقدّم وكأنه اجتماع علاقات عامة. وبدا المشهد وكأننا نسير حسب الأجندة الإسرائيلية متناسين مقررات مؤتمراتنا العربية آخرها مؤتمر الرياض الذي شدد على السلام قبل التطبيع. ولماذا يعلنون بأنهم وسطاء بين اسرائيل وفلسطين وهم يكتوون بنار القضية وآثارها الجانبية على أمنهم واستقرارهم وتنمية مجتمعاتهم وهم من أكثر المتضررين منها وكأنها لا تعنيهم في شيء في حين أنها مبادرة عربية مع دولة فرضت داخل الوطن العربي وفي خاصرته ومفصله الهام والمهم. نأمل أن يكون ذلك من باب الدبلوماسية الهادئة الواثقة وليس من باب مداراة الحال كما قال الشاعر: من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرحٍ بميتٍ ايلامُ

وأخيراً نطرح سؤالاً مستحقاً وهو: لماذا لم تضحض الجامعة العربية تصريح ليفني المستفزة وهو بداية التطبيع مع الجامعة قبل إعلانها قبول المبادرة العربية لتحقيق السلام مع العرب؟

hmdalhajj@yahoo.com

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


Search Now:
 
Q8Y2B Home...